شبهات وردود حول دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب | الشيخ عبد الله العنقري

مقدمة:

لم تزل الشبهات تُثار حول هذا الدين، وحول من يحمله من أهل العلم، قديمًا وحديثًا. ومن أكثر العلماء الذين وُجّهت إليهم السهام، وتتابعت عليهم الحملات، الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى.

وقد وقع ذلك في حياته، واستمر بعد وفاته، ثم زادت الهجمة عليه في السنوات الأخيرة، حتى اشترك فيها أناس ينتسبون إلى هذه الأمة، جنبًا إلى جنب مع أعداء ظاهرين لهذا الدين، لا يخفى عداؤهم له. وهؤلاء ـ في الحقيقة ـ أضرّوا بأنفسهم حين اصطفوا مع من لا يعادون محمد بن عبد الوهاب وحده، بل يعادون أصل الدين الذي جاء به محمد بن عبد الله، سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم.

وموضوع الشبهات المثارة حول الشيخ طويل؛ لكثرة من هاجمه منذ أن جهر بدعوته، ودعا إلى مقاومة المظاهر الشركية المنتشرة في زمانه، والتي لا تزال موجودة إلى اليوم في عدد من البلدان. غير أن دعوته ـ بفضل الله تعالى ـ أحدثت أثرًا عظيمًا، وخففت من حدة هذه المظاهر الشركية، وهذا يتضح جليًا لمن قارن حال تلك الممارسات قبل دعوة الشيخ وبعدها.

خلاصة ذهبية:
ليست قضية الدفاع عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب دفاعًا عن شخص مجرد، بل هي دفاع عن التوحيد الذي دعا إليه، وعن المنهج الذي سار عليه علماء أهل السنة قبله وبعده.


الفصل الأول: قبل الدخول في الشبهات:

قبل مناقشة الشبهات المثارة حول الشيخ محمد بن عبد الوهاب، لا بد من تقرير فكرتين مهمتين، حتى يكون الكلام في موضعه الصحيح.

أولًا: الدفاع عن العلماء دفاع عن الحق لا عن الأشخاص:

إن مناقشة الشبهات التي تُثار حول أحد من أهل العلم لا يراد بها التعصب لشخصه، ولا الانتصار لاسمه، وإنما يراد بها بيان الحقيقة التي يُتقرّب إلى الله بإيضاحها. فالعالم لا يمثل نفسه فقط، ولا تنحصر قيمته في شخصه، بل هو حامل من حَمَلة ميراث النبوة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«إن العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم؛ فمن أخذه أخذ بحظ وافر».

ولهذا يجب أن يستحضر كل من يدافع عن علماء الأمة أن دفاعه إنما هو دفاع عن الحق الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم، لا عن ذات هذا العالم أو ذاك.

ثانيًا: دعوى أن العلماء غير معصومين:

من العبارات التي يرددها مثيرو الشبهات عند رؤيتهم من يدافع عن علماء الأمة قولهم: هؤلاء الذين تدافعون عنهم غير معصومين.

والجواب: أن أبعد الناس عن تزكية أنفسهم وادعاء العصمة هم العلماء الذين ساروا على السنة. فكيف يُظن بهم أنهم يدّعون العصمة لأنفسهم، أو يرضون أن تُدّعى لهم؟

لكن هؤلاء العلماء الأخيار قاموا بأمانة العلم التي أوجبها الله عليهم، فجاهدوا في بيان التوحيد، والتحذير من الشرك، ونفع الله بهم أعظم النفع. فكان من حقهم على الأمة أن تعرف لهم قدرهم، وأن تذب عنهم ما يفتريه أهل الشبهات.

أما أهل الشبهات، فلم يقدموا للأمة نفعًا، ولم يكشفوا عنها شركًا، ولم ينهضوا بإحياء توحيد أو سنة. ومع ذلك تجد عندهم من تعظيم أنفسهم، والجزْم بآرائهم، والمبالغة في التعصب لها، ما يجعل السؤال متوجهًا إليهم هم: «هل أنتم المعصومون»؟

تنبيه مهم:
قولنا إن العالم غير معصوم لا يعني أن يُفتح الباب للطعن فيه بالباطل، ولا أن تُقبل الأكاذيب عليه دون بينة. ففرق بين نقد علمي منصف، وبين التشويه المتعمد.


الفصل الثاني: أنواع الشبهات الموجهة إلى الشيخ:

يمكن تقسيم الشبهات الموجهة إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله إلى ثلاثة أقسام كبرى:

  1. شبهات مبنية على الكذب المحض، افتراها خصومه عليه.
  2. شبهات حقيقتها اعتراض على اعتقاد أهل السنة، لا على الشيخ وحده.
  3. شبهات يراد بها تصوير الشيخ على أنه شذّ عن علماء الأمة، وجاء بما لم يسبقه إليه أحد.

وسنقف مع هذه الأقسام واحدًا واحدًا، مع ذكر أمثلة توضح حقيقتها.

القسم الأول: الشبهات المبنية على الكذب المحض:

هذا النوع من الشبهات كان مقصوده الأول التنفير من كتب الشيخ، وحَجْز الناس عن مجرد الاطلاع عليها. وبعض ما كُتب عنه يدل على انعدام تقوى الله عند من افتراه.

ومن الأكاذيب التي أشاعها خصومه، ونفّروا الناس بها تنفيرًا شديدًا، ما نقله الشيخ النعماني الهندي، حيث ذكر أن خصوم الشيخ نشروا عنه أنه قدم المدينة، وسكن بيتًا قريبًا من المسجد النبوي، ليتخذ نفقًا من البيت إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يتمكن ـ بزعمهم ـ من العبث بجسده الشريف.

ثم زعموا أن أمير المدينة رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فأخبره أن رجلًا اسمه عبد الوهاب، قدم من نجد لهذا الغرض، فقبض عليه الأمير وضربه. وهذه من أبطل الأكاذيب وأتفهها.

وقد قال النعماني: «إن الناس في بلده كانوا يتناقلون هذه الأكذوبة على أنها حقيقة تاريخية معلومة، ولم يكن يشك فيها. ومع أن النعماني لم يكن على عقيدة الشيخ، إلا أنه كان يؤكد أن الأكاذيب عليه كانت شديدة، وأن أطرافًا متعددة اشتركت في نشرها».


اتهام الشيخ بانتقاص النبي صلى الله عليه وسلم:

ومن الأكاذيب التي رُوّجت عن الشيخ أنه كان ينتقص النبي صلى الله عليه وسلم، بأنواع من الانتقاص. وهذا الاتهام لا حقيقة له، وإنما أُريد به التشنيع على الشيخ، وصرف الأمة عن قراءة كتبه. ومن وقف على كلام الشيخ في النبي صلى الله عليه وسلم علم عِظَم قدر النبي عنده، كما هو شأن علماء الأمة.

فالشيخ رحمه الله يصف النبي صلى الله عليه وسلم بأحسن الأوصاف، ومن عباراته في ذلك:

  • هو أول شافع وأول مشفع.
  • لا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته.
  • هو حبيب الله وصفيه من خلقه.
  • هو سيد الشفعاء.
  • هو صاحب المقام المحمود.
  • آدم ومن دونه تحت لوائه.
  • هو إمام المتقين.
  • هو سيد ولد عدنان.
  • هو سيد الخلق أجمعين.
  • هو أفضل من صدع بالحق.
  • أرسله الله رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين، وحجة على الناس أجمعين.

وهذه الأوصاف وغيرها كثيرة في كلام الشيخ، يصعب تتبعها كلها. وكان يخطب بها في خطب الجمعة، كما ورد في الكتاب الذي جُمعت فيه خطبه، وكان يعلّم الناس ذلك ويلقنهم إياه. فكيف يقال بعد هذا إنه كان ينتقص النبي صلى الله عليه وسلم؟

خلاصة ذهبية:
من أراد معرفة حقيقة موقف الشيخ من النبي صلى الله عليه وسلم، فليقرأ كتبه وخطبه، لا دعايات خصومه.


المفارقة العجيبة في موقف خصومه:

ومن أعجب ما في موقف هؤلاء الذين اتهموا الشيخ بأنه ينتقص النبي صلى الله عليه وسلم، أن كثيرًا منهم من غلاة المرجئة الذين يصرحون بأن سب النبي صلى الله عليه وسلم أو الاستهزاء به لا يكون كفرًا بمجرده، حتى ينضم إليه اعتقاد القلب، كما هو مذهبهم الفاسد في أقوال الكفر وأفعاله.

أما الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الذي اتهموه بهذا الاتهام، فقد قرر بوضوح ما قرره أهل السنة من أن من استهزأ بالنبي صلى الله عليه وسلم أو سبه فإنه يكفر كفرًا ظاهرًا وباطنًا، ويخرج بذلك من الإسلام. وقد صرح الشيخ بهذا في عدد من كتبه.

فيا لله العجب: من الذي حفظ جناب النبي صلى الله عليه وسلم؟

أهو الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الذي قرر كفر من سبه أو استهزأ به؟ أم هؤلاء المرجئة الذين لا يرون السب والاستهزاء كفرًا بمجرده؟


أثر الأكاذيب في رجوع بعض العلماء إلى الحق

ومن عجيب أقدار الله تعالى أن هذه الأكاذيب كانت سببًا في رجوع عدد من العلماء الذين ذموا الشيخ في أول الأمر.

فقد كانوا قد بنوا موقفهم على ما سمعوه من خصومه، فلما رجعوا إلى كتبه، ووقفوا على حقيقة دعوته، تبين لهم أن ما نُسب إليه افتراء وتشويه.

ولهذا تراجعوا عن ذمه، وصاروا يثنون عليه، وينصرون دعوته، كما سيأتي بيانه في موضعه.


الفصل الثالث: الشبهات التي حقيقتها اعتراض على منهج أهل السنة:

القسم الثاني من الشبهات هو ما انتُقد فيه الشيخ لأنه قرر عين ما قرره أهل السنة قبله.

فهؤلاء لم يعترضوا ـ في الحقيقة ـ على ابن عبد الوهاب وحده، وإنما اعترضوا على منهج أهل السنة والجماعة.

ومن أمثلة ذلك:

  • الذين نفوا صفات الله، انتقدوا الشيخ لأنه أثبتها كما أثبتها أهل السنة.
  • الذين غلوا في القبور، انتقدوه لأنه دعا إلى إفراد الله بالعبادة.
  • الذين قرروا مذهب المرجئة في الإيمان، انتقدوه لأنه قرر أن الإيمان قول واعتقاد وعمل، كما أجمع على ذلك أهل السنة.
  • وهكذا في سائر مسائل الاعتقاد المعروفة.

ولهذا فهذا النوع من الشبهات لا ينبغي أن يعامل على أنه خاص بالشيخ محمد بن عبد الوهاب؛ لأن خصومه في هذه المسائل إنما يردون على أهل السنة الذين اتفقوا على هذه الأصول منذ عهد الصحابة ومن سار على سبيلهم.

تنبيه:
كثير من الاعتراضات التي تُوجّه إلى الشيخ ليست اعتراضًا على قوله الخاص، بل اعتراض على أصل من أصول أهل السنة. ومن لم يميز بين الأمرين وقع في الخلط.


الفصل الرابع: تصوير الشيخ كأنه شذ عن علماء الأمة:

القسم الثالث من الشبهات يراد به تصوير الشيخ محمد بن عبد الوهاب على أنه شذ عن جمهور علماء الأمة، وجاء بضلال لم يسبقه إليه غيره، وأن علماء عصره اتفقوا على وصفه بأنه خارجي لا يُعد من أهل السنة.

وبعض خصومه، وإن لم يصفوه بذلك كله، انتقدوا عليه أقوالًا زعموا أنه لم يسبق إليها.

وهذا القسم من الشبهات هو الذي راج ـ مع الأسف ـ على بعض طلاب العلم ممن لم يحققوا مسائل الاعتقاد ولم يحرروها؛ ولذلك يحتاج إلى شيء من التفصيل.


الشبهة الأولى: دعوى أن علماء الأمة خالفوه وضللوه:

من أكثر الشبهات التي يرددها خصوم الشيخ قولهم: إن علماء الأمة خالفوا محمد بن عبد الوهاب، وردوا عليه، وضللوه.

بل ادعى بعضهم أن العلماء أجمعوا على ذلك.

والجواب: أن الاتفاق على تضليله إنما وقع من أهل الخرافات والضلالات، ولا سيما مروّجي الشرك. وكتبهم طافحة بذلك؛ فهم لا يترددون في الحكم عليه، ويرون أن من نهى عن سؤال الموتى الحاجات فهو كافر.

ولا يقفون عند الشيخ محمد بن عبد الوهاب، بل يعممون هذا الحكم، فينسبون أئمة كبارًا قبله إلى الكفر، كما كفروا شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم، وغيرهما من أئمة الإسلام.

فإن قيل: هناك من اتفق على تضليله.

قيل: نعم، اتفق على ذلك أهل الخرافة والضلال، لا علماء السنة. أما العلماء الذين كانوا على السنة، فقد اتفقوا ـ بحمد الله ـ على الثناء على الشيخ، وتسميته بالمجدد لما درس من معالم دين الإسلام.


علماء ذموا الشيخ أولًا ثم رجعوا بعد قراءة كتبه:

وهنا أمر مهم: لن يكون الحديث عن العلماء الذين أثنوا على الشيخ من أول الأمر، فهؤلاء كثيرون، وكلامهم مشهور.

إنما الأهم أن نذكر طائفة من العلماء الذين ذموا الشيخ محمد بن عبد الوهاب في البداية، لما سمعوا الدعاية المغرضة ضده، ودخلوا في جملة من حذر منه بسبب شناعة ما نُقل إليهم عنه.

لكن هؤلاء العلماء الصادقين، لما وقفوا على كتب الشيخ، وما قرره فيها من الاعتقاد الحق، ندموا على موقفهم المتعجل، ثم كتبوا نظمًا ونثرًا في الثناء عليه وعلى ما قرره.

وقد صرحوا بأن سبب موقفهم الأول كان اعتمادهم على ما سمعوه من خصومه الذين افتروا عليه. فلما وقفوا على كتبه، تغير موقفهم تغيرًا تامًا، وذموا من تسبب في تشويه حقيقة ما يدعو إليه هذا الإمام.

بل إن من هؤلاء من كان من فرق ضالة، متلبسًا ببدعها، فلما وقف على كتب الشيخ تأثر بما وضحه فيها من معنى التوحيد، والتحذير من الشرك، فترك بدعته، وانتقل من فرقته الضالة إلى مذهب أهل السنة الصافي.

خلاصة ذهبية:
كثير ممن عادوا دعوة الشيخ في البداية لم يعادوها بعد قراءة كتبها، بل بعد سماع الدعاية عنها.
فلما قرؤوا كتبه رجعوا عن موقفهم، وبعضهم صار من أنصار الدعوة.


الفصل الخامس: نماذج من العلماء الذين تغير موقفهم:

1. الشيخ أحمد بن عبد القادر الحفظي:

من هؤلاء العلماء: عالم جنوب الجزيرة، الشيخ أحمد بن عبد القادر الحفظي، المعاصر للشيخ محمد بن عبد الوهاب.

كان هذا الرجل من أعظم العلماء في وقته، وقصده الطلاب من جميع الأقطار. وكان مع ذلك رأسًا في التصوف في زمنه، يلبس ما يسميه الصوفية الخرقة، وكان له ميل إلى التشيع. فلما وقف على كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ترك ما كان عليه من التشيع والتصوف، وصار يدعو الناس في بلده وخارج بلده إلى إخلاص العبادة لله، وترك الشركيات.

وأعلن ندمه على ما مضى من عمره في التصوف والتشيع، واستعمل في ذلك شعرًا قويًا مؤثرًا.

ومما قاله في وصف حاله حين سمع دعوة ابن عبد الوهاب:

وَإِنَّا سَمِعْنَا دَاعِيَ اللهِ مُعْلِنًا
مِنَ الأُفْقِ الأَعْلَى تَجَلَّى لِرَائِيهِ

فَقُلْنَا بِحَمْدِ اللهِ مِثْلَ مَقَالِهِ
جَوَابًا وَحَقَّقْنَا بِعَزْمٍ وَتَوْجِيهِهِ

وَقُلْنَا لَهُ أَهْلًا وَسَهْلًا وَمَرْحَبًا
بِمَا أَنْتَ تُبْدِيهِ وَمَا أَنْتَ تُخْفِيهِ

وَمَا قُلْتَهُ حَقٌّ وَصِدْقٌ وَإِنَّنَا
نُقِرُّ بِمَا كَانَ مِنَّا وَنَقْلِيهِ

نَعُوذُ بِكَ اللَّهُمَّ مِنْ شِرْكِ عَالِمٍ
وَغُفْرَانَكَ اللَّهُمَّ مِنْ جَهْلِ نَافِيهِ

وَلَبَّيْكَ شَيْخَ المُسْلِمِينَ مُحَمَّدًا
وَسَعْدَيْكَ يَا عَبْدَ العَزِيزِ وَلَبَّيْهِ

لَقَدْ أَظْهَرَ الدَّاعِي رِسَالَةَ أَحْمَدٍ
وَبَعْثَتَهُ مِنْ بَعْدِ طُولِ تَنَاسِيهِ

وَأَيْقَظْتَنَا مِنْ رَقْدَةٍ طَالَ لَيْلُهَا
بِأَرْغَبِ تَعْلِيمٍ وَأَرْهَبِ تَنْبِيهِ

وَرَدَّ إِلَى خَيْرِ القُرُونِ سُلُوكَنَا
وَحَقَّقَ إِسْلَامًا وَجَدَّدَ بَالِيَهِ

ثم ذكر أثر دعوة الشيخ في إحياء رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، فقال في معنى كلامه:

«إن الداعي أظهر رسالة أحمد، وبعثها بعد طول تناسٍ، وأيقظ الناس من رقدة طال ليلها، ورد سلوكهم إلى خير القرون، وحقق الإسلام، وجدد ما بلي منه»

ولم يكتف الشيخ الحفظي برجوعه الشخصي، بل اجتهد كثيرًا في دعوة علماء بلده وعلماء اليمن إلى قبول دعوة الشيخ محمد، وما تدعو إليه من التوحيد.

وخاطبهم في شعره، داعيًا إياهم إلى سماع أخبار نجد، والنظر في دعوتها، وأنها دعوة إلى التوحيد، ونهي عن الشرك الكبير بحجة من الله. كما وصف شدة انتشار الشرك في وقته، وأن دعوة ابن عبد الوهاب إنما جاءت نهيًا عن هذا الشرك، وأمرًا بالتوحيد.


2. الشيخ عبد الرحمن الجبرتي:

ومن هؤلاء العلماء: الشيخ عبد الرحمن الجبرتي، متولي مشيخة المذهب الحنفي في مصر، وكان معاصرًا لابن عبد الوهاب.

وقد ظل يدافع عن دعوة الشيخ حتى كان ذلك سببًا في قتله رحمه الله، في ليلة العشرين من رمضان عام 1230هـ، على يد حاكم مصر. وقد نقل الجبرتي في تاريخه اعتقاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الذي أرسله إلى أهل المغرب، وفيه إنكاره للشرك المنتشر، مثل:

  • سؤال الموتى الحاجات التي لا يقدر عليها إلا الله.
  • التقرب إليهم بالذبح.
  • النذر لهم.
  • صرف شيء من العبادات لهم.
  • اتخاذ الوسائط بين العبد وربه، يسألهم الشفاعة.

فلما نقل الجبرتي كلام الشيخ كاملًا قال: «إن كان كذلك، فهذا ما ندين الله به نحن أيضًا، وهو خلاصة لباب التوحيد. وما علينا من المارقين والمتعصبين».

وقد ظل الجبرتي يدافع عن دعوة الشيخ، ويرد على ما يلقيه خصومها من الشبهات، حتى قُتل بسبب ذلك. نسأل الله أن يجعله من الشهداء.


3. الشيخ أبو الهدى الصعيدي:

ومن العلماء الذين وقفوا على حقيقة الدعوة في مصر: الشيخ الأزهري أبو الهدى الصعيدي.

فقد ناظر عددًا من علماء الدعوة من أصحاب الشيخ محمد، بطلب من الحاكم محمد علي. فلما وقف على حقيقة هذه الدعوة قال بصريح العبارة: «إن كانت الوهابية كما سمعنا وطالعنا، فنحن أيضًا وهابية».

ومقصوده أن ما وقف عليه ليس إلا التوحيد الذي يدين الله به أهل السنة.


4. الشريف المحدث حسن بن خالد الحازمي:

ومن الذين كانوا معادين لدعوة الشيخ في أول الأمر: الشريف المحدث حسن بن خالد الحازمي، وكان من أشهر علماء الحديث في وقته.

كان يعادي دعوة الشيخ في البداية، ويرى ـ بحسب ما بلغه ـ أن ابن عبد الوهاب وأصحابه من الخوارج. لكنه لما اطلع على كتب الشيخ، تراجع عن موقفه، ورحل إلى الدرعية، والتقى علماءها، وأثنى عليهم.

وقد أجاز حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الشيخ سليمان بن عبد الله، في مروياته، وسماه: الإمام سليمان.

ثم اشتد حماسه لنشر ما يدعو إليه الشيخ محمد من التوحيد والتحذير من الشرك، فصنف في ذلك كتبًا، منها:

  • قوة القلوب في توحيد علام الغيوب.
  • كتاب في وجوب هدم المشاهد المبنية على القبور.

ومن وقف على كلامه رحمه الله لا يخفى عليه تأثره الواضح بتقريرات الشيخ محمد بن عبد الوهاب.


5. الشيخ حسين بن أبي بكر بن غنام:

ومنهم العالم الأحسائي حسين بن أبي بكر بن غنام.

سمع بدعوة الشيخ محمد، فارتحل إليه، وتلقى عنه، وصار من خواص أصحابه. وكان قبل ذلك على اعتقاد كثير من أهل البدع والضلال، ثم وصف في كتبه حال الناس في الجزيرة وخارجها، وذكر ما يوضح الانتشار الشديد للممارسات الشركية.

ولهذا صار من أشد المدافعين عن دعوة الشيخ، شعرًا ونثرًا. وبعض الناس يظن أن ابن غنام ـ كالجبرتي ـ مجرد مؤرخ، والواقع أنهما كانا من أهل الفقه والعلم، لا مجرد ناقلين للأخبار.


6. الشيخ أحمد بن حسن العفالقي:

ومنهم العالم الحنبلي الأحسائي ذائع الصيت: أحمد بن حسن العفالقي.

تلقى تعليمه على يد أحد أشد خصوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهو محمد بن فيروز، الذي كان يصحح الممارسات التي يصنعها الغلاة عند القبور. وقد تأثر ابن عفارقي بتقريرات شيخه في أول الأمر، لكنه لما قدم المدينة، ووقف على اعتقاد السلف الصالح، غير موقفه تمامًا من دعوة الشيخ محمد. فصار يدرس كتب ابن عبد الوهاب في المدينة.

ولما هاجم جيش إبراهيم باشا المدينة، اتجه العفارقي إلى الدرعية مع أصحاب الشيخ. وبعد أن تمكن إبراهيم باشا من تدمير الدرعية، وعذب علماءها، اشتد في تعذيب العفارقي، ثم رحله إلى مصر.

فلما التقى به علماء مصر، ثبت ثباتًا عظيمًا لرسوخه في العلم، فلما رأوه كذلك جعلوه مفتي المذهب الحنبلي في مصر.


7. الشيخ علي باصبرين

ومن العلماء الذين غيروا موقفهم بعد الوقوف على كتب الشيخ: الشيخ علي باصبرين.

فقد كان في درسه بجامع الشافعي، ونال من دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب نيلًا فاحشًا. وكان حاضرًا في الحلقة شيخان من تلاميذه.

فلما انتهى من درسه، قالا له:

يا شيخ، هل وقفت على كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب حين نلت منه؟

فقال: لا، لكن هذا مما عرفته من مشايخي.

فقالا له: ما رأيك أن تقرأ كتب الشيخ محمد؟

فقال: لا مانع.

فأعطياه من كتبه. فلما جاء بعد ذلك قال لطلابه:

«لقد نلت من الشيخ محمد بن عبد الوهاب إحسانًا للظن بمشايخي، وقد أطلعني اثنان من الطلاب على كتبه، وأنا أقول الآن: إنما دعا إليه هو الحق».

ثم صنف الشيخ علي بعد ذلك رسالة في التوحيد.


8. الشيخ محمد بن إبراهيم السناني:

ومن هؤلاء العلماء: القاضي محمد بن إبراهيم السناني.

قال عن نفسه:

«كنت في أول الأمر مع أناس من جماعتنا نسمي كتاب كشف الشبهات: جمع الشبهات، ولم أكن قد طالعته ولا رأيته».

فلما سافر إلى بعض الآفاق، ورأى كثرة من أعرضوا عن الحق، خطر له أن يطالع كتاب كشف الشبهات. فلما قرأه وجده كتابًا عظيمًا مشتملًا على أجل المطالب، حتى قال إنه جدير أن يكتب بماء الذهب.

ثم أنشد أبياتًا يذم فيها من سموا الكشف جمعًا، وبيّن أن الكتاب إنما كشف ما كان مشكلًا بأوضح بيان وأسد قول.


9. الشيخ حامد بن محمد بن حسن

ومنهم الشيخ حامد بن محمد بن حسن، من علماء القرن الثالث عشر، حج عام 1216هـ، والتقى علماء من أصحاب الشيخ محمد.

فتأثر بما قرروه في معنى التوحيد، وأنشأ منظومة زادت على ألف بيت، جعلها في عدة أوزان، يذكر فيها ما كان عليه سابقًا من الوقوع في الشرك، ثم رجوعه بعد أن وقف على تقريرات الشيخ محمد في التحذير من الشرك.

ومما قاله في دعائه للشيخ محمد بن عبد الوهاب، واعترافه بدلالته له على الحق:

«ويغفر لشيخ الدين، شيخ به الهدى
عرفنا، وإن كنا من قبل في الشرك نعبده»

ثم شرح كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وقال في مقدمته إن الله لما منّ عليه بالهدى بعد الضلال، أراد أن يسلك مع السالكين في مسلك التوحيد، وأن يحدث بما أنعم الله عليه بعد ليالي الشرك والكفر.

وسمى الشيخ محمد بن عبد الوهاب:

  • شيخ الإسلام.
  • قامع البدع.
  • محيي السنة المحمدية.

10. الشيخ محمد بن أحمد الحفظي:

ومن مشاهير العلماء الذين تأثروا بدعوة ابن عبد الوهاب: القاضي محمد بن أحمد الحفظي.

كان ذا مكانة علمية كبيرة، حتى أقر بمكانته خصوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب. وقد اغتموا كثيرًا حين ترك ما كان عليه من التصوف والبدع. وقف هذا الشيخ على كتب ابن عبد الوهاب، فنصر دعوته، وأبدى ندمه على ما كان عليه في سابق حياته من البدع.

ومما قاله في وصف حال الناس في وقته من جهة الشرك:

إنك ترى جماعة كثيرة من أهل العلم متظاهرين بشركهم في القول والعمل والاعتقاد. ثم وصف الحال بعد وصول دعوة الشيخ محمد، فقال في معنى كلامه:

حتى أتانا من مشارق أرضنا نبأ عظيم، وداعٍ يدعو الناس إلى التوحيد، والتفريد بالأعمال.

وقال في ندمه على ما مضى:

«والمرء يخجل أن تُذكَر ما مضى
ويعضّ من ندم على الأوصال»

وقال في وصف الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثره في الناس:

وبعث الله لنا مجددًا
من أرض نجد عالمًا مجتهدًا
شيخ الهدى محمدًا المحمدي
الحنبلي الأثري الأحمدي

ثم وصفه بأنه قام حين سرى الشرك الصريح بين الناس، فدعا إلى الله، وعلّم الناس معنى أشهد أن لا إله إلا الله.


11. الشيخ أبو بكر خوقير:

ومن العلماء الذين تأثروا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: شيخ مكة الشهير أبو بكر خوقير.

وكان الشيخ أبو بكر من تلاميذ الشيخ أحمد بن دحلان، وهو من ألدّ خصوم الدعوة، إلا أن الشيخ أبا بكر تراجع عن الأباطيل والبدع التي تلقاها عن شيخه وعن أمثاله من خصوم دعوة الشيخ.

وصنف كتابه الشهير:

«فصل المقال وإرشاد الضال».

رد فيه على دعاة الشرك، ونصر ما قرره الشيخ محمد بن عبد الوهاب من التوحيد. وقد تعرض رحمه الله لامتحان شديد بسبب موقفه هذا، لكنه ثبت على ما وقع له من ذلك الامتحان.

خلاصة ذهبية:
من الإنصاف أن يُنظر إلى العلماء الذين نشؤوا في بيئات معادية للدعوة، ثم غيّروا موقفهم بعد قراءة كتب الشيخ؛ فهؤلاء شهادتهم لها وزن خاص.


12. الشيخ محمد رشيد رضا:

ومن الذين غيّروا موقفهم من دعوة الشيخ بعد الوقوف على حقيقتها: الشيخ محمد رشيد رضا، الشامي ثم المصري.

وقد قال في سبب تغيّر موقفه:

إنه كان يسمع في صغره أخبار الوهابية مستمدة من رسائل دحلان وأمثاله، فيصدقها تبعًا لمشايخه وآبائه. وكان يصدق أن الدولة العثمانية حامية للدين، وأنها حاربتهم وخذلتهم لأجل الدين.

ثم قال إنه لم يعرف حقيقة هذه الطائفة إلا بعد هجرته إلى مصر، واطلاعه على:

  • تاريخ الجبرتي.
  • تاريخ الاستقصاء في أخبار المغرب الأقصى.
  • أكثر كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب.
  • رسائل الشيخ وفتاواه.
  • كتب أولاده وأحفاده.
  • رسائل علماء نجد في عهد النهضة التجديدية.

فلما اطلع على ذلك رأى أنه لم يصل إليهم اعتراض ولا طعن إلا أجابوا عنه.

فإن كان الاعتراض كذبًا، قالوا:

سبحانك هذا بهتان عظيم.

وإن كان صحيحًا أو له أصل، بيّنوا حقيقته وردوا عليه.

ثم طبعت أكثر كتبهم، فعرف الآلاف من الناس بطلان تلك المفتريات.

وقد أثر الشيخ رشيد رضا في كثير من العلماء، إذ عرّفهم بحقيقة دعوة الشيخ محمد، ورد على خصومها، حتى قال الأستاذ شكيب أرسلان رحمه الله إن الشيخ رشيد رضا أحدث انقلابًا في الرأي العام.

ولهذا قال له شيخ الأزهر، في مجلس من علماء الأزهر:

جزاك الله خيرًا بما أزلت عن الناس من الغمة في أمر الوهابية.

وكان شيخ الأزهر هذا هو الشيخ أبو الفضل الجيزاوي رحمه الله.

وقد ذكر رشيد رضا أنه كان في مجلس شيخ الأزهر، فأورد الإشاعات التي تدور حول ابن عبد الوهاب، وما يبثه خصومه عنه، فأهدى رشيد رضا لشيخ الأزهر ولطائفة من أشهر علماء الأزهر كتاب الهدية السنية، وفيه توضيح ما يدعو إليه ابن عبد الوهاب.

فلما راجع شيخ الأزهر والعلماء الكتاب، اعترفوا بأن الذي فيه هو عين مذهب أهل السنة والجماعة.


13. الشيخ محمد عبده:

ومن العلماء الذين كانوا يثنون على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مصر: الشيخ محمد عبده، مفتي الديار المصرية. وقد نقل عنه تلميذه حافظ وهبة أنه كان يثني على الشيخ محمد بن عبد الوهاب في دروسه بالجامع الأزهر، ويلقبه بـ: «المصلح العظيم».

وكان يلقي تبعة وقف دعوته الإصلاحية على الأتراك، وعلى حاكم مصر محمد علي؛ لما عندهم من جهل، ومسايرة لمن سار على سنن من سبقهم من مؤيدي البدع والخرافات، ومجانبة حقائق الإسلام.

وهذه الكلمات من علماء مصر جاءت بعد أن اتضحت لهم حقيقة دعوة الشيخ، ولا سيما بعد أن التقوا بالعلماء الذين رُحلوا إلى مصر، فرأوا حقيقة ما كانت تخفيه الحملات الشديدة على الدعوة.


14. الشيخ علي بن عبد الله من علماء اليمن:

ومن الذين تغير موقفهم تغيرًا جذريًا بسبب دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: الشيخ علي بن عبد الله، من علماء اليمن.

كان زيديًا، فلما وقف على حقيقة دعوة الشيخ، ترك مذهبه الزيدي، وانتقل إلى مذهب أهل السنة.

وقال معلنًا ندمه على ما مضى من عمره، ومصرحًا باتباعه لدعوة الشيخ:

سَلَامٌ بِمَلْءِ الآفَاقِ مِسْكًا
عَلَى نَجْدٍ أُحَيِّيكُمْ سَلَامَا

خَلَعْتُ دِينَ زَيْدِيٍّ جِهَارًا
وَهَذَا فِي الأُصُولِ فَلَنْ أُلَامَا

سَأَسْلُكُ فِي العَقِيدَةِ دِينَ شَيْخٍ
أَقَامَ الدِّينَ وَهَّابِيٌّ أَقَامَا

وَكُنَّا قَبْلَ هَذَا فِي ضَلَالٍ
مَعَ البِدَعِ أَسْهَرَنِي المَنَامَا

إِلَى الغَفَّارِ يَغْفَرُ لِي ذُنُوبِي
وَمَا أَسْلَفْتُ فِي دَهْرِي حَرَامَا

أَلَا يَا لُؤَّمِي فَدَعُوا المَلَامَا
لِمَاذَا حَيْثُ أَهْدَيْتُ السَّلَامَا

إِلَى نَهْجٍ هَدَاةُ النَّاسِ طُرًّا
فَقَدْ وَالَيْتُهُمْ قَوْمًا كِرَامَا

ثم طلب ممن يلومه أن يدع اللوم؛ لأنه اهتدى إلى السلامة، وإلى نهج هدى الناس جميعًا.


15. الشيخ محمد بن عبد الهادي العجيلي:

ومن العلماء الذين غيروا نظرتهم للدعوة: الشيخ الجليل محمد بن عبد الهادي العجيلي، صاحب كتاب الظل الممدود.

قال في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب:

«لم تزل الدعوة تضرب في آفاق الأرض وتجري، وتُذكر في جميع الأقطار وتسري، فلما انتهى ذلك النداء إلينا لم يسعنا إلا الانتظام في سلك من دعا وأطاع، والاعتراف بأن ذلك هو الحق لا محالة، وأن الذي نحن عليه عين الخطأ والضلال».

وهذه شهادة واضحة من عالم كان بعيدًا عن نجد، لكنها لما بلغته الدعوة، ورأى حقيقتها، أقر بأنها الحق، وأن ما كان عليه قبلها خطأ وضلال.


16. الشيخ أحمد بن عبد الخالق:

ومن هؤلاء العلماء الشيخ القاضي أحمد بن عبد الخالق، وهو غير الشيخ أحمد بن عبد القادر. كان الشيخ أحمد بن عبد الخالق مفتيًا في زمن الدولة العثمانية، بل تولى الإفتاء في أدرنة بتركيا، وكان من كبار الصوفية، يعطي إجازات لطلابه في كتب التصوف.

لكنه لما وقف على كتب الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ترك ما كان عليه من البدع، وقرأ كتاب التوحيد لابن عبد الوهاب أربع مرات على شيخه مسفر الحنبلي.

ولما نفاه الأتراك إلى بلده، سمحوا له ـ من بين جميع المنفيين ـ بالتنقل داخل البلد؛ لعلمهم بمكانته الرفيعة. ولذلك أقام دروسه هناك في تركيا، وتلقى عنه عدد من مشاهير الأتراك، ومنهم وزير العدل. ولما رجع الشيخ من منفاه، بادر بزيارة علماء الدعوة في نجد، وقال معبرًا عن فرحه بذلك:

الله أكبر، هذا أعظم من أنني
عدتُ أرضي بعد الأسر والمحنِ
وزرت نجدًا، دعاة الدين والفضل والمننِ


17. الشيخ محمد بن علي الشوكاني:

ومن أشهر من تأثر بدعوة الشيخ: العلامة الكبير محمد بن علي الشوكاني، العالم اليمني المعروف.

كان الشوكاني أحد مشاهير الزيدية في بلده، ثم تأثر بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فجدّد دعوته، وصار يدعو إلى الاجتهاد، مما أغضب كثيرين من أهل مذهبه. وقد أثنى الشوكاني على الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فقال عنه إنه:

«من العلماء المحققين، العارفين بالكتاب والسنة».

وقال عنه أيضًا:

«الشيخ العلامة محمد بن عبد الوهاب، الداعي إلى التوحيد، المنكر على المعتقدين في الأموات».

ووصف كتب الشيخ التي وصلته في اليمن بأنها كلها في الإرشاد إلى إخلاص التوحيد، والتنفير من الشرك، وأنها رسائل جيدة مشحونة بأدلة الكتاب والسنة. ولما وقف الشوكاني على رد أصحاب الشيخ محمد على جماعة من فقهاء صعدة باليمن في مسائل من أصول الدين، وصف أجوبتهم بأنها:

  • محررة.
  • مقررة.
  • محققة.
  • تدل على أنهم من العلماء المحققين العارفين بالكتاب والسنة.

وقال إنهم هدموا على فقهاء صعدة جميع ما بنوه.

وهذا يوضح التغير الكبير الذي حصل للشوكاني بعد دعوة الشيخ؛ لأن فقهاء صعدة هؤلاء كانوا من المذهب الذي كان عليه الشوكاني سابقًا، ثم نبذه، وصار يدعو إلى تقديم دليل الكتاب والسنة، متأثرًا بدعوة الشيخ محمد.


الفصل السادس: لماذا تغيرت نظرة العلماء إلى الدعوة؟

أرجع الشيخ أحمد بن حجر آل بوطامي، شيخ الشافعية في الخليج، سبب تغيّر كثير من العلماء في موقفهم من دعوة ابن عبد الوهاب إلى أن الدعاية ضده في الماضي راجت وانتشرت، ثم خفت وطأتها لاحقًا، وعرف كثيرون في سائر الأقطار حقيقة دعوته وصحتها، بفضل انتشار العلم والوعي.

وقال الشيخ مسعود الندوي بمعنى قريب من ذلك:

إنه من الممكن أن يحمل شخص آراء كاذبة عن الشيخ محمد بصدق نية وإخلاص، أما اليوم، وقد انتشرت كتبه وكتب تلاميذه، فلا يقبل ذلك.

فالشيخان ابن حجر والندوي يعيدان سبب تغير النظر إلى دعوة الشيخ إلى الفترة اللاحقة، حين انتشرت الكتب وزالت الدعايات.

لكن الحقيقة أن السبب الأقوى كان هو تأييد العلماء المعاصرين لابن عبد الوهاب لدعوته في وقته، وإفتاء من يسألهم عنه بأنه على الحق، وذلك في ذروة الحملة عليه في حياته.


تأييد بعض شيوخ الشيخ لكتاب التوحيد:

كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهو خلاصة دعوته، قد أقره عدد من مشاهير شيوخه، منهم:

  • الشيخ الشامي علي الداغستاني.
  • الشيخ عبد الكريم الداغستاني.
  • الشيخ محمد البرهاني.
  • الشيخ عثمان الديار بكري.

وكان كتاب التوحيد مشتملًا على خلاصة دعوة ابن عبد الوهاب، مقرونة بالأدلة عليها.

وقد كان العلماء الذين يقرون ما عليه ابن عبد الوهاب في حياته يعتذرون عن عدم الجهر بما جهر به، بسبب العجز والخوف، كما ذكر ذلك الشيخ الجراعي، والشيخ السويدي، وغيرهما.

لكن كلمات معاصري ابن عبد الوهاب وكتاباتهم كان لها أثر كبير في تغيير النظرة إلى الشيخ فيما بعد.


شهادة الشيخ نفسه بوجود العلماء المؤيدين له:

نبّه الشيخ محمد بن عبد الوهاب نفسه إلى وجود علماء معاصرين له أقروا دعوته، وذلك في رسالته إلى الشيخ فاضل آل مزيد. قال في معنى كلامه عن خصومه الذين ناصبوه العداء:

«إن هذا الأمر الذي أنكروه عليه، وأبغضوه وعادوه من أجله، لو سألوا عنه كل عالم في الشام أو اليمن أو غيرهما لقال: هذا هو الحق، وهو دين الله ورسوله، لكن لا أقدر أن أظهره في مكاني؛ لأن الدولة لا ترضى. أما ابن عبد الوهاب فقد أظهره؛ لأن الحاكم في بلده لم ينكره، بل لما عرف الحق اتبعه».

وهذا يبين أن كثيرًا من العلماء كانوا يعلمون صحة ما دعا إليه الشيخ، لكن منعهم من الجهر به خوفهم من السلطان، أو عجزهم عن مواجهة الواقع المحيط بهم.


شهادة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن:

ونبّه إلى هذا أيضًا الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن، حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب. فذكر أن ما دعا إليه الشيخ قد أطبق على الثناء عليه فيه جميع أهل نجد، والحجاز، وتهامة، وعمان، وكثير من علماء الحرمين، ومصر، والعراق، والشام، بل حتى من أهل المغرب وبلاد الروم.

وكانوا بين:

  • من يثني على صاحب هذه الدعوة ويدعو له.
  • ومن لا يظهر منه إنكار عليها.

وقال أيضًا إن كثيرًا منهم عادوا الدعوة في أول أمرها، ثم رجعوا واعترفوا، بعد أن وقفوا على كتب الشيخ. وذكر أن كتب الشيخ في التوحيد، وردوده على مخالفيه، تلقاها العلماء بالقبول والتسليم؛ لصحتها، حتى صارت تباع بأغلى الأثمان في مصر والشام وغيرها.

تنبيه مهم:
الانتشار الواسع لكتب الشيخ بين العلماء، وبيعها بأثمان مرتفعة، دليل على أن الدعوة لم تكن محصورة في نجد، ولا مرفوضة عند علماء الأمة كما يزعم خصومها.


الفصل السابع: موقف بعض علماء الدولة العثمانية:

مما يؤكد أن دعوة الشيخ لم تكن كما صوّرها خصومها، أن بعض علماء الدولة العثمانية أنفسهم لم يوافقوا على وصف الشيخ بما وصفه به خصومه.

فقد اجتمع مجلس الشورى في الدولة العثمانية، وهو من أكبر مجالسها، عام 1208هـ، ليتدارس ما رفعه ولاة مكة وبغداد والشام إلى السلطان العثماني من تحذيرات من دعوة ابن عبد الوهاب. وكان في المجلس عدد ممن تولوا القضاء في الحجاز.

فذهب بعضهم إلى أن ما يقرره ابن عبد الوهاب ليس خطأ، وأنهم لا يستطيعون أن يقولوا شيئًا في رجل يدعو إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


شهادة من منصب شيخ الإسلام العثماني:

ومثل ذلك موقف العالم التركي الذي تولى منصب شيخ الإسلام في الدولة العثمانية. فقد كتب ولاة مكة إلى السلطان العثماني محذرين من ابن عبد الوهاب، فقدم هذا الشيخ محضرًا يقول فيه:

«إن شيخ نجد، محمد بن عبد الوهاب، رجل على المذهب الحنبلي».

وهذا مهم؛ لأن الدولة العثمانية كانت تقر المذهب الحنبلي ضمن المذاهب الأربعة المعتمدة لديها. وكان خصوم الشيخ يصفونه دائمًا بأنه خارجي، وأن له مذهبًا خامسًا خالف به المذاهب الأربعة.

فقول هذا العالم، الذي تولى المنصب الديني الأعلى في الدولة العثمانية، إن ابن عبد الوهاب على المذهب الحنبلي، فيه مصادمة كبرى لما نشره خصومه عنه على نطاق واسع.

وكان هذا المحضر من ضمن الأسباب التي جعلت السلطان ينظر إلى شكاوى أولئك الولاة على أنها مبنية على الهوى، فلم ينهض لتلبية ما طلبوه من القضاء على دعوة الشيخ.


شهادة المؤرخ العزاوي:

ومن دلائل تأثر بعض رجال الدولة العثمانية بدعوة الشيخ ما ذكره المؤرخ العزاوي.

فقد ذكر أن الدولة العثمانية كانت تتخوف من تأثير دعوة ابن عبد الوهاب على بلاد العرب خارج منطقة نجد، ثم قال إن ما كانت تخافه الدولة قد تحقق فعلًا.

بل ذكر أن من رجال الترك من نشر بعض الكتب في بيان أحقية دعوة ابن عبد الوهاب، وأن إهمالها أو حربها كان غفلة منهم، وصاروا يدعون إليها بعد أن عاشروا العرب في نجد، وعرفوا ما عندهم، ونشروا ذلك بلغات متعددة، منها:

  • العربية.
  • الفارسية.
  • الأردية.

ولما تكلم العزاوي عن الحملة على الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وصف القائمين عليها بأنهم اختلقوا ما شاءوا، ونبزوا دعوته بما أرادوا. ثم قال إن ذلك لم يمنع الكثير من العلماء من نصرته وتأييده في الخفاء، والتأثر به في:

  • بغداد.
  • سائر أنحاء العراق.
  • بلاد الشام.
  • مصر.
  • اليمن.
  • المغرب.

شهادة الشريف محمد بن ناصر الحازمي:

وقبل العزاوي، ذكر العلامة الشريف محمد بن ناصر الحازمي أن دعوة ابن عبد الوهاب أقر بصحتها علماء:

  • صنعاء.
  • زبيد.
  • الحرمين.
  • مصر.
  • الشام.
  • المغرب.
  • العراق.

وأن مصنفات الشيخ دارت بينهم، ونافقت عندهم، ومدحه منهم العلماء، وأثنوا عليه نثرًا ونظمًا.

وذكر أيضًا أن دعوة ابن عبد الوهاب استجاب لها كثير من الناس من غير قتال، وضرب لذلك أمثلة بقبول عدد من البلدان النائية عن نجد لهذه الدعوة، عن قناعة من أهلها بها.

ومن هذه البلدان: بلدان في جنوب الجزيرة واليمن، وهي موطن الشيخ الحازمي.


الفصل الثامن: أثر الدعوة في البلدان والناس:

إن تأييد كثير من علماء البلدان لدعوة ابن عبد الوهاب يطول تتبعه، لكن مما يلفت النظر أن بعض العلماء أقنعوا بعض الولاة بصحة هذه الدعوة.

ومن ذلك أن والي العراق من جهة العثمانيين، سليمان باشا الصغير، مال إلى دعوة ابن عبد الوهاب بتأثير الشيخ السويدي رحمه الله، لكنه اتبع الدعوة دون مجاهرة؛ خوفًا من الدولة العثمانية، كما ذكر العزاوي.

وقد ذكر العزاوي أيضًا أن من أسباب انتشار دعوة ابن عبد الوهاب في العراق وجود مذهب السلف هناك قبل دعوة الشيخ.


تغير حال العلماء بعد انتشار الدعوة:

ومما يوضح قبول العلماء لدعوة الشيخ أن العلماء أنفسهم الذين كانوا يشتكون من غربة الدين في زمنهم، لما رأوا آثار دعوة الشيخ، حمدوا الله على ما منّ به من إقبال الناس على التوحيد.

فالشيخ محمد الحفظي، الذي تقدمت منظومته في شكوى غربة الدين وكثرة الواقعين في الشرك، قال بعد أن رأى آثار دعوة الشيخ:

الحمدُ للهِ على نعمائِهِ
والشُّكرُ للهِ على آلائِهِ

وإنَّ مِنْ أكبرِ ما أعطانا
وما بهِ سبحانهُ حبانا

قبولُنا لدعوةِ التوحيدِ
وتركُنا للشِّركِ والتنديدِ

أخرجَنا مِنْ ظُلمةِ الضلالِ
وبدَّلَ الحرامَ بالحلالِ

ومنَّ بالتعليمِ والحَثاثةِ
على أصولِ دينِنا الثلاثةِ

ثم ذكر أن الله أخرجهم من ظلمة الضلال، وبدّل الحرام بالحلال، وأن كتب الشيخ صارت تُدرّس، ومنها:

  • ثلاثة الأصول.
  • كشف الشبهات.
  • القواعد الأربع.
  • وغيرها من درر الفوائد.

وذكر أن حلقات العلم أصبحت عامرة، وأن الناس أقبلوا على المساجد، وأن البدو والحضر صاروا على منوال واحد في طلب الحق والسؤال عنه. وقال الشيخ ولي اليمن إن أكثر بلده طائعون لكتب ابن عبد الوهاب وما أمر به.

وقال الشيخان الشريفان يحيى بن درع و محمد بن يحيى في رسالتهما لآل الحفظ:

لا والله، لا نعلم أن طائفة تدعو إلى التوحيد إلا هذه الطائفة، وهذا من فضل الله علينا.


الفصل التاسع: الجواب عن شبهة مخالفة العلماء:

كل ما تقدم جواب عن الشبهة الأولى التي زعم أصحابها أن ابن عبد الوهاب خالف العلماء، وأنهم ردوا عليه وحكموا بضلاله. والجواب، كما ظهر:

إن الذين قالوا ذلك هم شيوخ الضلال من مروجي الشرك والبدع. أما العلماء الذين كانوا على السنة، فقد حكموا بأن دعوة ابن عبد الوهاب دعوة حق:

  • نشرت التوحيد.
  • طمست الشرك.
  • أحيت معالم من الدين.
  • أعادت الناس إلى أصل العبادة.

وأكثر العلماء الذين ذُكروا هنا قد يجهل مواقفهم بعض طلاب العلم، ولذلك ينبغي التركيز على إبراز كلامهم تحديدًا. أما العلماء الذين أثنوا على دعوة الشيخ منذ بدايتها، فهم أكثر من ذلك بكثير، وكلامهم في الثناء على الدعوة مشهور عند طلاب العلم.

الخلاصة الذهبية:
دعوى أن علماء الأمة اتفقوا على تضليل الشيخ محمد بن عبد الوهاب لا تصح.
الذي اتفق على تضليله هم دعاة البدع والخرافة، أما علماء السنة فإما أثنوا عليه، أو رجع كثير ممن عارضوه بعد قراءة كتبه.


الفصل العاشر: شبهة قول الشيخ إن شرك المتأخرين أعظم من شرك الأولين:

من الشبهات التي أثيرت حول الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، قولهم إنه قال كلامًا لم يسبقه إليه أحد، ومن أمثلة ذلك قوله:

إن شرك المشركين في زماننا أعظم من شرك أهل الجاهلية.

وقد اجتمع كثيرون على الإنكار على الشيخ بسبب هذه الكلمة، ورأوا أنه بالغ فيها، وقالوا: كيف يكون من يشهد الشهادتين كأهل الجاهلية، فضلًا عن أن يكون شركه أغلظ من شركهم؟

واستعمل بعضهم وسائل الإعلام ووسائل التواصل للطعن في الشيخ بهذه العبارة، وتصويره كأنه تفرد بها، ولم يسبقه إليها أحد من أهل العلم.

والجواب عن هذه الشبهة أن هذا التقرير ليس خاصًا بالشيخ محمد بن عبد الوهاب، بل ذكره عدد من العلماء قبله بقرون، وذكره علماء في عصره وبعد عصره.


أولًا: أقوال علماء متقدمين في تغليظ بعض أنواع الكفر والبدع:

قال أبو عبيد القاسم بن سلام فيمن قال بخلق القرآن:

من قال: القرآن مخلوق، فهو شر ممن قال: إن الله ثالث ثلاثة. والذين قالوا بخلق القرآن من الجهمية والمعتزلة كانوا يقولون: لا إله إلا الله، ومع ذلك غلّظ العلماء القول فيهم.

وقال ابن خزيمة: المعطلة الجهمية شر من اليهود والنصارى والمجوس.

وقال الطبراني: من قال: القرآن مخلوق، فهو شر من اليهود والنصارى وعبدة الأوثان.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية إن السلف وسادات الأئمة كانوا يرون كفر الجهمية أعظم من كفر اليهود، كما قال عبد الله بن المبارك، والبخاري، وغيرهما. وقال أيضًا إن غير واحد من الأئمة نص على أنهم أكفر من اليهود والنصارى.

فهذا بعض كلام العلماء المتقدمين في طوائف كانت تنتسب إلى الإسلام وتقول: لا إله إلا الله، ومع ذلك غلّظ العلماء أمرها بحسب ما وقعت فيه من الضلال.


ثانيًا: أقوال العلماء المعاصرين للشيخ في غلو المتأخرين عند القبور:

لم يكن الشيخ محمد بن عبد الوهاب وحده من قرر أن بعض صور الشرك المتأخرة أغلظ من شرك المشركين الأولين، بل قال ذلك عدد من العلماء الذين عاصروا الشيخ أو جاءوا قريبًا من عصره.

ومن ذلك قول أحد العلماء في الغلاة عند القبور:

إن هؤلاء لم يدعوا شيئًا مما كانت عليه الجاهلية، بل بلغ شركهم فوق شرك من قال إن الله ثالث ثلاثة. وذكر أن الغلاة رجعوا إلى الجاهلية الأولى، بل إلى ما هو أشد منها، لأن المشركين الأوائل كانوا يخلصون عند الشدة، أما هؤلاء فيشركون حتى في الشدائد.

وقال الصنعاني إن الغلاة المتأخرين اعتقدوا في الأوتار والقبور معتقد المشركين الأوائل، ثم قال: بل زادوا عليهم. وذكر أن ما وقع من هؤلاء الغلاة من المنكرات لم يبلغه المشركون الأوائل.

وقال الشريف النعمي حين نقل نماذج من غلو المتأخرين، حتى بلغ ببعضهم أن يطلب من الميت أن يخرجه من النار: إن المشركين الأوائل لا يؤهلون كل ما عبدوه من دون الله لشيء من هذا، ولا لما هو أقل منه.

وقال الشيخ الحلبي المكي الحنفي في ممارسات الغلاة عند القبور، مقارنًا بينهم وبين أهل الجاهلية: إن ما تفعله غالية العرب والصوفية الجهال، واعتقادهم أن الأولياء يجلبون النفع ويدفعون الضر من باب الكرامة، هو من ظن أهل الأوثان.

وقال الشيخ علي السويدي، عالم العراق: إن الجاهلية الأولى لو رجعت لعجزت عن أقل القليل مما يفعله الغلاة.

وقال ولي الله الدهلوي: إن مثل ما يصنعه هؤلاء بالقبور كمثل من كان يعبد المصنوعات، أو يدعو اللات والعزى.

وقال إسماعيل الدهلوي: إن عباد الأوثان في الهند ما سلكوا طريقًا إلا وسلكه أدعياء من المسلمين في آلهتهم، وإن كان يقر بأنه مخلوق وعبد، فهو وأبو جهل في الشرك سواء.


ثالثًا: أقوال علماء آخرين بعد الشيخ:

ذكر شهاب الدين الآلوسي في تفسيره أن المشركين الأوائل كانوا لا يدعون إلا الله في حال الشدة، أما الغلاة في زمانه فإذا نزل بهم الخطب الجسيم دعوا الأولياء.

ثم قال مقارنًا بين الفريقين:

بالله عليك، قل لي: أي الفريقين أهدى سبيلًا؟

وذكر أن الغلاة يهشّون لذكر الأموات، ويستغيثون بهم، وينقبضون من ذكر الله وحده، كما قال الله تعالى عن المشركين:

{وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ}

وكان بعضهم يقول:

الولي أسرع إجابة من الله.

نعوذ بالله من الضلال.

وقال الشريف حسن بن خالد الحازمي في وصف ما يقع من الغلاة في زمنه:

إنهم زادوا في هذا الزمان على عباد الأصنام في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال نحوًا من ذلك الشيخ الشريف محمد بن ناصر الحازمي.

وقال ابن مشرف شعرًا:

فزادوا على شرك الأوائل إذ دعوا
سوى الله في حال الرخاء وفي العسر

وقال صديق حسن خان، عالم الهند، إن كفر المشركين الواقعين في هذه الأمة، في العرب والعجم، أعظم من كفر الذين قاتلهم النبي صلى الله عليه وسلم في الجاهلية.

وكلام العلماء في هذا المعنى كثير، حتى إن من قال بهذه العبارة أو بمعناها أكثر من ثلاثين عالمًا، من قبل الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومن معاصريه، ومن بعده.

ومن هؤلاء أيضًا:

  • الشيخ عبد الرحمن قراعة، شيخ الأزهر.
  • الشيخ عبد المجيد سليم، شيخ الأزهر بعده.

فهؤلاء جميعًا قرروا المعنى الذي قرره الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله.


الجواب المختصر عن هذه الشبهة

إذا كان هؤلاء الذين يهاجمون الشيخ محمد بن عبد الوهاب صادقين في إنكارهم لهذه العبارة، فليعمموا اتهامهم على جميع من قال بها، من العلماء المتقدمين والمعاصرين والمتأخرين. أما أن يخصوا الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالطعن دون غيره، فهذا تحكم من أهل الباطل والهوى.

خلاصة ذهبية:
لم يتفرد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ببيان أن بعض صور شرك المتأخرين أشد من شرك الأولين، بل سبقه إلى هذا المعنى وتابعه عليه عدد من أهل العلم.
فالاعتراض عليه وحده اعتراض انتقائي لا يقوم على إنصاف.


الفصل الحادي عشر: شبهة قوله إن بعض علماء عصره لم يعرفوا معنى التوحيد:

ومن العبارات التي أُثيرت بها الشبهات حول الشيخ محمد بن عبد الوهاب قوله في بعض علماء عصره:

من قال من علماء العارض إنه عرف معنى كلمة التوحيد فقد كذب.

وقد صاح بسبب هذه الكلمة كثيرون، واستعملوا وسائل الإعلام، وظنوا أن الشيخ لم يسبقه إلى هذا المعنى أحد. والواقع أن كلام العلماء في هذا المعنى كثير جدًا قبل دعوة الشيخ الإمام.

المقصود بكلام الشيخ:

ينبغي أولًا فهم كلام الشيخ في سياقه.

فالشيخ محمد بن عبد الوهاب كان يتكلم عن تفسير بعض الناس في العارض لكلمة التوحيد بتفسير المتكلمين الباطل، حيث زعموا أن معنى لا إله إلا الله هو مجرد إثبات الربوبية، واستدلوا على ذلك بما يسميه المتكلمون دليل الحدوث، ويذكرون فيه الجوهر والعرض ونحو ذلك من عبارات أهل الكلام.

فقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب لهؤلاء:

«إنكم لم تعرفوا معنى كلمة التوحيد».

وليس مقصوده أن كل عالم في كل فن لا يعرف شيئًا، وإنما مراده أن هؤلاء لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وهو إفراد الله بالعبادة.

هذا المعنى قرره علماء السنة قبل الشيخ:

رد علماء السنة على المتكلمين قبل الشيخ محمد بن عبد الوهاب بقرون، وقالوا لهم إنهم لم يفهموا حقيقة دعوة المرسلين، ولا معنى كلمة التوحيد. وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل، بعد بيانه أن التفسير الصحيح لكلمة التوحيد هو إفراد الله بالعبادة:

«إن من فسرها من المتكلمين بأنها تعني إثبات الربوبية لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسله؛ فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء، ومع ذلك كانوا مشركين».

وهذا هو عين المعنى الذي قرره الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

فالشيخ لم يأت بكلمة مشكلة تحتاج إلى اعتذار، ولم ينفرد بمعنى لم يسبقه إليه أحد، بل سلك مسلك علماء السنة في الرد على المتكلمين.


الفرق بين توحيد أهل السنة وتوحيد المتكلمين:

قال الإمام الكبير من أئمة السنة في التفريق بين توحيد أهل الحق وتوحيد المتكلمين:

إن توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين هو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. أما توحيد أهل الباطل فهو الخوض في الأعراض والأجسام.

والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث بإنكار الشرك، والدعوة إلى عبادة الله وحده، لا بمجرد الخوض الكلامي في الأجسام والأعراض. ولهذا جعل العلماء توحيد المتكلمين مقابلًا لتوحيد المسلمين، وسموه توحيد أهل الباطل؛ لأنه لا يتجاوز في حقيقته توحيد الربوبية.

وقد قال الحافظ البغدادي و ابن القيم في نحو هذا المعنى، وبيّنوا أن توحيد المتكلمين فيه ميل عن الحق.

وقال الصنعاني في ما يسميه هؤلاء توحيدًا:

«تعسًا لتوحيد أوردهم هذه الموارد».

وتساءل كيف يدعو مسلم إلى هذا الطريق المظلم. وقال في معنى كلامه: إن من حصر التوحيد في هذه التخاليط والخرافات، فليس في أمة محمد من يوحد الله إلا من قام بها.


موقف الأئمة من بدعة الكلام في التوحيد

كان الإمامان أبو حنيفة و مالك رحمهما الله يذمان رأس المعتزلة عمرو بن عبيد؛ لأنه فتح على الأمة أبوابًا من الضلال في حقيقة التوحيد، وصرف من اتبعه إلى بدعة الكلام عن حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسله.

وقال الإمام الشافعي في أحد رؤوس المعتزلة:

أنا مخالف له في كل شيء، ومخالف له في لا إله إلا الله.

وذلك لما عنده من ضلال المتكلمين في حقيقة التوحيد. فهذا الانحراف في معنى التوحيد هو الذي استدعى قوة العلماء في إنكار هذا المعنى المبتدع.

ثم جاء الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد هؤلاء العلماء بقرون، فسلك مسلكهم في إنكار ما ابتُدع في معنى التوحيد مما لا أصل له. ومع ذلك خرج خصومه، ورموه بأشنع العبارات، مع أن علماء الأمة سبقوه إلى تقرير هذا المعنى.

تنبيه مهم:
كلام الشيخ عن بعض علماء عصره لا يفهم إلا في سياقه؛ فهو يتحدث عن من فسروا التوحيد تفسيرًا كلاميًا ناقصًا، لا عن مطلق العلم أو كل عالم.


الفصل الثاني عشر: خاتمة الردود على الشبهات

الكلمات التي توافق كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله كثيرة جدًا، لكن الاقتصار على بعضها يكفي في بيان أن الذين حملوا على الشيخ في هذه العبارات إنما حملوا ـ من حيث لا يشعرون ـ على عموم العلماء الذين قالوا هذا المعنى قبله وبعده.

وبكل حال، فالشيخ محمد بن عبد الوهاب عالم من علماء المسلمين، أحيا الله به السنة، وانتشرت بدعوته حقيقة التوحيد.

والشبهات التي يوردها المغرضون عنه يمكن الجواب عليها بحمد الله، لكن هؤلاء يستخدمون الإعلام ووسائل التواصل للوصول إلى العوام الذين لا قدرة لهم على الجواب عن أباطيلهم.

وقد قلدهم في هذا السبيل ـ مع الأسف ـ عدد من أبناء المسلمين اليوم، ورددوا الشبهات نفسها، مع أن المنصف إذا تأملها وجد أنها تعم علماء الأمة، لا الشيخ محمد وحده.

لكن لجبن أصحاب هذه الشبهات، وقلة تقواهم، صوروا الشيخ محمد بن عبد الوهاب كأنه انفرد عن الأمة بما قرر، وخالف ما يسمونه السواد الأعظم؛ وهذا كذب.

فقد كان الشيخ رحمه الله على جادة علماء السنة، وإنما خالف شيوخ الضلال من دعاة الغلو في الموتى، وغلاة المرجئة، وأضرابهم.

نسأل الله تعالى أن يجزي شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير الجزاء، وأن يورده الجنة بغير حساب ولا عذاب.

الخلاصة الذهبية:
الشبهات التي تُثار على الشيخ في حقيقتها ليست جديدة، وكثير منها إنما يطعن في أصول قررها علماء السنة قبله.
ومن أراد الإنصاف فليقرأ كلامه وكلام العلماء، لا ما تروجه الحملات الإعلامية.


الفصل الثالث عشر: الأسئلة والأجوبة

بعد انتهاء أصل المحاضرة، وردت مجموعة من الأسئلة، فأجاب عنها الشيخ بإجابات متفرقة. وفيما يلي تحريرها وتنظيمها.


السؤال الأول: هل يرى الشيخ محمد بن عبد الوهاب العذر بالجهل؟

هذه المسألة طويلة جدًا، ولا يصح تناولها بطريقة مجملة أو بعبارة واحدة، لأن الجهل ليس نوعًا واحدًا.

فمن الخطأ أن يقال بإطلاق:

  • الشيخ يعذر بالجهل.
  • أو الشيخ لا يعذر بالجهل.

لأن الحكم يختلف باختلاف نوع الجهل، وحال الجاهل، والمسألة التي وقع فيها.


أنواع الجهل:

يمكن أن يقال إن الجهل أنواع، منها:

1. جهل مكتسب:

وهو الجهل الذي يكون سببه كسل الإنسان، وعدم اهتمامه بدينه، وعدم رفعه رأسًا بالعلم والهدى. وهذا يدخل في معنى الحديث الذي ذكر من لم يرفع بالعلم رأسًا. فالإنسان قد يقع في ضلالة بسبب إعراضه، وتفريطه، وعدم مبالاته بتعلم دينه.

2. جهل لا حيلة في دفعه:

وهذا جهل قد يقع فيه الإنسان ولا يستطيع دفعه، لأنه لم تبلغه الحجة، أو لم يتمكن من معرفة الحق. وهنا ينظر في حاله، وفي نوع المسألة التي جهلها.

لا بد من التفصيل في أمور، منها:

  • هل المسألة التي جهلها من المسائل التي يمكن أن تخفى؟
  • أم هي من الأمور الظاهرة التي لا تخفى على مثله؟
  • هل هو حديث عهد بالإسلام؟
  • هل يعيش في مكان يغلب عليه الجهل؟
  • هل بذل وسعه في طلب الحق؟
  • أم كان معرضًا غير مبالٍ؟

فحديث العهد بالإسلام قد يجهل أشياء لا تخفى على غيره. ولهذا لا يصح إطلاق الكلام في العذر بالجهل بلا تفصيل.

تنبيه:
إطلاق القول في هذه المسألة من غير تفصيل ليس منهجًا علميًا؛ لأن الجهل يختلف، والجاهل يختلف، والمسائل تختلف.


السؤال الثاني: ما القول في الدولة العثمانية؟

الدولة العثمانية لا يصح الحكم عليها حكمًا واحدًا من أولها إلى آخرها. فقد نشأت على طريقة الأعاجم، وكان حول قادتها جملة من أهل الانحراف.

وفي فترات منها وجد علماء موحدون يحذرون من الشرك والبدع، ويرون أن بعض ما يقع عند القبور شرك، وذلك قبل ولادة الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

ومن هؤلاء علماء في حدود القرن الحادي عشر، ثم جاء بعدهم من أخذ عنهم، وكانوا في جانب توحيد العبادة على صفاء، وإن كانوا في المذهب الاعتقادي على طريقة الماتريدية. وكانوا يقررون أن ما تفعله الصوفية عند القبور باطل.

وفي بعض الفترات أقنع بعض هؤلاء العلماء بعض السلاطين بهدم بعض المزارات، فكانت تلك الفترات من أفضل فترات الدولة العثمانية، لكنها كانت محدودة. ثم دخلت الدولة العثمانية بعد ذلك في حال من التصوف الضال الشديد، وكان ذلك سببًا في فساد ديني كبير.

وكان الجو العام في الدولة العثمانية، في كثير من مراحلها، فيه بناء للمزارات، وانتشار للشركيات والبدع. فإذا قورنت الدولة العثمانية بالدولة السعودية في جانب التوحيد ومحاربة الشرك، ظهر فرق عظيم.

خلاصة ذهبية:
الحكم على الدولة العثمانية يحتاج إلى تفصيل؛ ففيها مواضع وأزمنة ظهر فيها خير، لكن الغالب في مراحل كثيرة انتشار التصوف والبدع والشركيات.


السؤال الثالث: هل خرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب على الدولة العثمانية؟

الحقيقة أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يخرج على الدولة العثمانية.

ومن وقف على وضع نجد في ذلك الوقت، وعلى فتاوى العلماء، علم أن نجد ـ في المواضع التي كان فيها الشيخ ـ لم تكن تحت سلطة العثمانيين أصلًا.

بل كانت نجد مقسمة بين أمراء بلدان:

  • ابن سعود في الدرعية.
  • ابن معمر في العيينة.
  • أمراء في الخرج.
  • أمراء في الحوطة.
  • أمراء في الوشم.
  • أمراء في بلدان أخرى.

وكان لكل بلد أميره المستقل. وقد سأل ابن عطوة شيخه الكبير مرعي الحنبلي عن حكم طاعة أمراء هذه البلدان، فقال إن لهم من الطاعة مثل ما للسلطان؛ لأن كل واحد منهم منفرد ببلده وإمارته.

فإذا لم يكن للعثمانيين سلطان أصلي على تلك المواضع، فكيف يقال إن الشيخ خرج عليهم؟

الشيخ لم يبدأ أحدًا بالقتال:

الأمر الثاني أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يبدأ أحدًا بالقتال. بل الذي بدأ القتال خصوم الدعوة، ومنهم حكام مكة، فوقع بعد ذلك قتال متبادل.

ثم في عام 1218هـ دخل الإمام سعود بن عبد العزيز بن محمد إلى الحرم ملبّيًا، ولم يقع منهم سفك للدماء، وأمّن الناس، وأمر أهل الحوانيت بفتح بيوتهم والبيع، وألا يباع لأحد من الجنود إلا بالثمن. وأبطل الفساد الموجود في مكة، وأبقى الأشراف حكامًا فيها، ولم يغير من ذلك شيئًا.

وهذا على خلاف ما وقع من الشريف غالب، الذي استدعى جيوش العثمانيين ومحمد علي. فلما دخلت الجيوش العثمانية إلى مكة، بدأت بغالب وأصحابه، ثم حل ضرر عظيم بالجزيرة، ليس في نجد وحدها، بل في الحجاز ونجد وجنوب الجزيرة. وكان ذلك الجيش شديد الهمجية، ووقع بسببه قتل كثير من الخلق.

فالقول إن الشيخ خرج على الدولة العثمانية غير صحيح؛ لأن الدولة العثمانية لم تكن لها سيطرة أصلًا على الموضع الذي كان فيه.


السؤال الرابع: هل توجد فرقة اسمها الوهابية أو الجامية؟

أما لفظ الوهابية فهو لقب نبز به خصوم الشيخ محمد بن عبد الوهاب دعوته. وبعضهم يتعمد الخلط بين دعوة الشيخ ودعوة رجل آخر بينه وبين الشيخ نحو عشرة قرون، من الخوارج في المغرب، ولا علاقة له بدعوة الشيخ.

وكانوا لو نسبوا الدعوة إلى الشيخ مباشرة لقالوا: المحمدية، فخشوا أن يلتبس ذلك بنسبة الدعوة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنسبوها إلى اسم الوهاب، وهو اسم من أسماء الله تعالى. والشيخ اسمه محمد، لا عبد الوهاب، وإنما عبد الوهاب اسم أبيه.

أما ما يتعلق بالألقاب مثل:

  • الجامية.
  • المدخلية.

فهذا مما ينبغي أن يكف الناس عنه. ولا يصح أن يُنسب الناس إلى عالم من العلماء لأنهم أخذوا عنه أو استفادوا منه، كأن ينسبوا إلى الشيخ محمد أمان الجامي، أو الشيخ ربيع المدخلي، أو غيرهما. فالناس ليسوا عبيدًا عند أحد من العلماء حتى ينسبوا إليه على وجه التنابز.

والعلماء يصيبون ويخطئون، فإذا أخطؤوا رُد خطؤهم، وإذا أصابوا قُبل صوابهم، وهذا ليس خاصًا بعالم دون آخر، بل هو عام في كل العلماء. أما التنابز بالألقاب، والتعصب الجاهلي، فليس من منهج العلم.


السؤال الخامس: ما معنى قول الشيخ إن أكثر ما في الإقناع والمنتهى مخالف للنصوص وأحمد؟

هذه العبارة صحيحة إذا فهمت على وجهها.

فالشيخ لا يريد الاعتقاد؛ لأن اعتقاد صاحب الإقناع في الجملة طيب. وإنما يريد أن المتأخرين من أصحاب المذاهب، سواء من الحنابلة أو المالكية أو الشافعية، قد يخالفون منصوصات أئمتهم القدامى في مسائل فقهية.

فلو أخذت كتابًا من كتب متأخري الشافعية، ككتب الرملي أو ابن حجر، وقارنته بكتاب الأم للشافعي، لرأيت أن المختار عند المتأخرين من الشافعية قد يخالف ما قرره الشافعي نفسه في الأم. وهكذا الحال في بعض المتأخرين من المالكية عند مقارنتهم بما عليه الإمام مالك.

وكذلك في بعض المتأخرين من الحنابلة، فقد يستقر القول عندهم في مسائل فقهية على خلاف منصوص الإمام أحمد. فهذا هو مراد الشيخ رحمه الله.


السؤال السادس: ما حكم من يقول إن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب جامدة ولا تصلح لهذا العصر؟

الذين يقولون إن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب لا تصلح لهذا العصر، هم في الحقيقة يقولون هذا عن الإسلام نفسه. فدعوة الشيخ ليست شيئًا منفصلًا عن الإسلام، بل هي دعوة إلى الإسلام الصافي، وإلى ما كان عليه السلف الصالح. وهؤلاء الذين يرون فصل الدين عن الدولة، أو يزعمون أن الإسلام لا يصلح للعصر الحاضر، يقولون مقالة كفرية؛ لأن الله تعالى قال:

{أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ}

وقال سبحانه:

{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}

فلا صلاح لهذه الأمة في دينها ولا دنياها إلا بسلوك ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال الله تعالى:

{لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}

فهذه الدعوات تريد أن تعيد الأمة إلى الضلال المبين.


ما البديل عند هؤلاء؟

إذا قيل لأصحاب هذه الدعوات: ما البديل عندكم؟

قال بعضهم: أوروبا، وجان جاك روسو.

وقال آخرون ممن تأثروا بالشيوعية: لينين وأمثاله.

يريدون إعادة الأمة إلى من لا يعرفون الله طرفة عين، وإلى فلسفات دمرت الإنسان في:

  • أخلاقه.
  • اعتقاده.
  • فطرته.
  • اقتصاده.
  • مجتمعه.

فهذه الدعوات ليست جديدة، بل ظهرت منذ ابتليت الأمة بالاحتلال المسمى استعمارًا، حيث بث المستعمرون التهوين من شأن الإسلام، ومن شأن دعوات العلماء الراسخين، كالشيخ محمد بن عبد الوهاب وشيخ الإسلام ابن تيمية. والحقيقة أن القدح لا يراد به دعوة الشيخ وحدها، بل يراد به أصل الدين.


أثر دعوة الشيخ في الأمن والدين

إذا أردت أن تعرف حياة دعوة الشيخ وواقع أثرها، فانظر إلى حال هذه البلاد قبلها. كانت الطرق مضطربة، ولا يستطيع الإنسان أن يحج إلا بخوف شديد؛ فقد يذهب للحج ولا يرجع، أو يسافر للتجارة ولا يدري هل يعود أم لا.

فلما منّ الله على الناس بهذه الدعوة، تحقق وعد الله تعالى:

{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ…}

وكان مدار ذلك على قوله تعالى في آخر الآية:

{يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا}

فكان تركيز الشيخ على التوحيد، ومنع الشرك، سببًا في هذه النعمة بعد فضل الله تعالى.

وقد قام معه في ذلك الإمام محمد بن سعود رحمه الله، ثم ابنه عبد العزيز، ثم سعود، ثم تتابعت آثار هذه الدعوة في الدولة السعودية الثانية والثالثة. وأعظم نعمة في هذه البلاد ليست النفط ولا المال ولا الأمن وحده، بل نعمة التوحيد وصفاء الدين.

فالإنسان في بعض البلدان قد يقوم الليل، ويصوم النهار، وينفق أمواله، ثم ينتهي به الأمر إلى قبر من القبور يعبد صاحبه ويدعوه من دون الله. أما نعمة التوحيد فهي أعظم النعم؛ لأنها الدين الذي يلقى العبد به ربه.

خلاصة ذهبية:
صلاح الأمة ليس بالانبهار بالفلسفات الوافدة، بل بالرجوع إلى الإسلام الصافي، البعيد عن الشرك والغلو والانحراف.


السؤال السابع: هل يُحكم بكفر تارك الصلاة؟

تارك الصلاة فيه خلاف معروف بين أهل العلم. لكن ينبغي أولًا أن يُفهم المقصود بتارك الصلاة.

المقصود بتارك الصلاة هو الذي يترك الصلاة بالكلية، فلا يصلي لا في المسجد، ولا في بيته، ولا في أي موضع. أما من يصلي بعض الفروض ويترك بعضًا، فهذا غير محافظ على الصلاة، وقد دلت النصوص على الفرق بين التارك وغير المحافظ.

فالذي لا يحافظ على الصلاة جاء فيه الوعيد، لكنه لا يدخل في حكم من ترك الصلاة بالكلية. والصحيح الراجح، الذي دلت عليه النصوص، وهو المعروف عن الصحابة رضي الله عنهم، أن ترك الصلاة بالكلية كفر. ومع ذلك فمن قال من الفقهاء إن تارك الصلاة لا يكفر، فهذا قول فقهي معتبر، ولا يصح تضليل قائله لمجرد أنه لم يكفر تارك الصلاة.

لكن عند حكاية الأقوال يقال: الراجح أن تارك الصلاة بالكلية كافر.


السؤال الثامن: بماذا يبدأ طالب العلم المبتدئ؟

ينبغي أن يبدأ طالب العلم بالكتب الميسرة، وأن يتدرج في العلم. فيبدأ مثلًا بمتون الشيخ محمد بن عبد الوهاب، مثل:

  • ثلاثة الأصول.
  • القواعد الأربع.
  • ثم يتدرج بعد ذلك.

وقد قيل في قوله تعالى:

{كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ}

إن الرباني هو الذي يعلم صغار العلم قبل كباره. فينبغي للمبتدئ أن يتعلم صغار العلم قبل أن يدخل في كباره؛ لأن العلم فيه صغار وكبار.

ومن بدأ بالكبار قبل الصغار لم يستطع الفهم، وربما ظن أنه بليد لا يفهم، وليس الأمر كذلك، وإنما المشكلة أنه اقتحم بابًا أكبر من مستواه العلمي. ليس من الصواب أن يفتح طالب العلم المبتدئ كتابًا مطولًا من عشرة مجلدات، ويقرأ فيه بلا شيخ ولا تدرج.

العلم يؤخذ عن أهله؛ لأن الإنسان قد يقرأ ويخطئ في الفهم.

فعلى طالب العلم أن:

  • يأخذ العلم عن العلماء.
  • يصبر.
  • يسأل الله المعونة.
  • لا يستعجل.
  • لا يحرص على التصدر.
  • لا يستعجل الفتوى.
  • لا يجعل المجالس موضعًا لإظهار نفسه قبل التأهل.

وقد قال الإمام أحمد رحمه الله في إخلاص النية في العلم: أن ينوي بتعلمه رفع الجهل عن نفسه، وأن يرفع الجهل عن غيره. فكيف يرفع الجهل عن غيره من لم يرفعه عن نفسه؟

خلاصة ذهبية:
طالب العلم يبدأ بصغار العلم قبل كباره، ويأخذ عن أهله، ولا يستعجل التصدر قبل الرسوخ.


السؤال التاسع: ما واجب طلاب العلم في نشر العلم والتوحيد؟

الواجب هو ما أوجبه الله على الجميع من التبليغ، قال الله تعالى:

{فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ}

وقال تعالى:

{وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ}

فالقرآن في عنق الأمة، ويجب أن يبلغ إلى الناس. وقد يبلغ الإنسان الدين لرجل يكون خيرًا من كثير ممن بعده، وينفع الله به الإسلام أكثر مما نفع بالمبلّغ نفسه، فيكون ذلك في حسناته.

لكن نشر العلم لا يكون بالحماس المجرد، بل لا بد أن يكون من قبل المتعلمين وأهل العلم. أما أن يتحمس إنسان لم يتعلم بعد، ثم يذهب ليعلم الناس الإسلام، فهذا خطأ.

وقد قال البخاري رحمه الله:

باب العلم قبل القول والعمل.

فالواجب أن يتعلم الإنسان قبل أن يقول ويعمل ويدعو.


السؤال العاشر: هل نقل شيخ الإسلام إجماع الصحابة على عدم كفر الخوارج؟

هذا غير صحيح.

شيخ الإسلام ابن تيمية لم ينقل إجماعًا على عدم كفر الخوارج. بل قال إن القول المحرر أن الخوارج ليسوا بكفار، وذكر أن بعض أهل العلم قالوا بكفرهم، وأن أكثر العلماء على عدم كفرهم. وهذا لا يعني أن أمر الخوارج يسير، بل بدعتهم عظيمة وخطيرة.

ومن أدلة من لم يكفرهم أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يبدأهم بالقتال حتى قتلوا عبد الله بن خباب وغيره. ولو كانوا مرتدين محضًا لكان حكمهم مختلفًا. وكانوا يكتبون إلى ابن عمر وابن عباس، ويستفتونهم، ولم يكن الصحابة يعاملونهم معاملة المرتدين.

نعم، قال بعض أهل العلم بكفر الخوارج، لكن أكثر أهل العلم على عدم تكفيرهم بأعيانهم.


السؤال الحادي عشر: ما نصيحتكم لمن يقول إن العلماء الكبار لا ينكرون المنكر؟

من يقول إن العلماء الكبار لا ينكرون المنكر، فقد تكلم بغير علم. هل اطلع على الغيب؟

هل يلزم أن يأتي العلماء إليه ويقولوا له: فعلنا، وقلنا، وذهبنا، ونصحنا؟

الإنكار على السلطان له طريقة شرعية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:

من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، ولكن ليأخذ بيده، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه.

فالعلماء ينكرون، لكنهم ينكرون بالطريقة الشرعية الصحيحة، لا بطريقة تهييج الناس، والخطب والمنابر، وإثارة العامة. وليس كل إنكار صحيحًا لمجرد أنه كان علنيًا.

السؤال الثاني عشر: هل مسألة الخروج على الحاكم من الفروع؟

مسألة الخروج على الحاكم ليست من الفروع، بل من مسائل الأصول؛ لأن من خرج على الحاكم صار خارجيًا.

والخوارج فرقة معروفة بالضلال، وليست المسألة مجرد خلاف فقهي يسير.


السؤال الثالث عشر: لماذا يُخص الشيخ محمد بن عبد الوهاب بالطعن دون غيره من العلماء؟

السبب أن هؤلاء يريدون إسقاط الشيخ؛ لأنهم يعلمون أنه إذا سقط الشيخ محمد بن عبد الوهاب سقط ـ في نظر الناس ـ من أثنى عليه من علماء أهل السنة.

فكثير من علماء السنة يثنون على الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ويقولون عنه:

  • الإمام المجدد.
  • شيخ الإسلام.
  • داعية التوحيد.

فإذا أسقطوا الشيخ، أرادوا أن يسقطوا من مدحه وأثنى عليه.

كما أن بعض العلماء المعاصرين، مثل الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين، لهم مكانة عظيمة في قلوب الناس، ويصعب على خصوم السنة أن يهاجموهم مباشرة؛ لأن الناس عاصروهم وعرفوا علمهم وفضلهم.

أما الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فكثير من العامة لم يدركوه، ولا يعرفون حقيقة الحملة الخبيثة عليه. فلهذا يركز الخصوم على إسقاط الأصل، ليطعنوا من خلاله في السلسلة العلمية التي أثنت عليه ووافقت دعوته.


السؤال الرابع عشر: هل تُعتمد الإجماعات المذكورة في الكتب المصنفة؟

الإجماع المنقول في الكتب يحتاج إلى تدقيق ونظر.

بعض العلماء لهم اصطلاح خاص في حكاية الإجماع؛ فقد يرى عددًا كثيرًا من أهل العلم على قول، ويخالف في ذلك نفر قليل، فيسميه إجماعًا، مع علمه بوجود مخالف، لأنه لا يرى أن مخالفة هؤلاء مؤثرة.

ومن أمثلة ذلك الطبري رحمه الله في التفسير، فقد يحكي الاتفاق أو الإجماع، مع علمه بوجود من يخالف، بل قد ينقل قول المخالف، لكنه يرى أن المخالف لا يعتد به في مقابلة قول عدد كبير من الصحابة والتابعين.

وكذلك كثيرًا ما يحكي النووي رحمه الله الإجماع، ولا يكون إجماعًا بالمعنى الدقيق. وأحيانًا تكون الإجماعات التي يذكرها ابن المنذر اتفاقًا من كثير أو أكثر أهل العلم، لا إجماعًا بمعنى أنه لا يوجد مخالف نهائيًا.

أما المسائل القطعية، مثل:

  • التوحيد.
  • الصلاة.
  • حرمة الخمر.

فهذه مما اتفق عليه العلماء. لكن كثيرًا من مسائل الأحكام العملية لا تكون كذلك.


السؤال الخامس عشر: ما أبرز كتاب في سيرة الإمام محمد بن عبد الوهاب؟

من أبرز من كتب في سيرة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: الشيخ حسين بن غنام رحمه الله. وقد ذكر سيرة الشيخ وتكلم عنه كثيرًا.

كما كتب عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب كثيرون جدًا، من العرب والعجم، من أهل السنة، وكتبت في سيرته كتب كثيرة.


السؤال السادس عشر: هل كان أبو حامد الغزالي في آخر عمره على مذهب أهل السنة؟ وما الرأي في كتابه إحياء علوم الدين؟

نسأل الله أن يغفر لأبي حامد الغزالي ويعفو عنه. أما من حيث كتبه، ففيها ضلالات وإشكالات عظيمة.

فهو رد على الفلاسفة في كتابه تهافت الفلاسفة، وكفر الفلاسفة في ثلاث مسائل، لكن في كتبه الأخرى مشكلات كبيرة، حتى إن بعض كلامه فيه اضطراب شديد، ومن تأمل بعض المواضع وجد فيها ما يتصل بمسألة وحدة الوجود. وفي كتاب إحياء علوم الدين ضلالات كثيرة جدًا، ولهذا لما ورد الكتاب إلى المغرب في زمن المازري وغيره، أفتى علماء المغرب بإحراقه.

لكن الصوفية بالغوا فيه، وأثنوا عليه كثيرًا.

والحق أن في الكتاب عبارات مؤثرة في:

  • العلم.
  • الخشية.
  • العبادة.
  • تزكية النفس.

ولأجل قلمه السيال وتأثيره في هذه الأبواب، ينظر كثير من الناس إلى هذا الجانب، وتخفى عليهم البلايا والإشكالات العقدية والحديثية الموجودة في الكتاب.

ذكر بعضهم أن الغزالي في آخر حياته مات وصحيح البخاري على صدره، أي إنه بدأ في قراءة البخاري. لكن قراءة البخاري ينبغي أن تكون من أوائل ما يعتني به طالب العلم، لا أن يرجع إليه في آخر عمره. وقد قال الغزالي نفسه في قانون التأويل إن بضاعته في الحديث ضعيفة.

وهذا ظاهر في كتبه، فقد نقل أحاديث كثيرة لا أصل لها، ولم يكن يتعمد ذلك، لكن ضعف بضاعته في الحديث جعله يورد الموضوعات والواهيات. ولهذا تكاثرت الجهالات والضلالات في كتبه.

والحمد لله، فقد أغنى الله الأمة عن الكتب التي فيها هذه الإشكالات بما صنفه العلماء الذين هم على الهدى والسنة. نسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه.


الخاتمة العامة:

تناولت هذه المحاضرة جملة من الشبهات المثارة حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، وبيّنت أن كثيرًا منها قائم على أحد أمور:

  1. الكذب الصريح على الشيخ، ونسبة أقوال أو أفعال إليه لم تصح.
  2. الاعتراض على أصول أهل السنة، مع تصوير الاعتراض كأنه خاص بالشيخ.
  3. الانتقائية في النقد، حيث تُنسب إلى الشيخ عبارات ومعانٍ قررها علماء قبله وبعده.
  4. الاعتماد على دعايات الخصوم، دون الرجوع إلى كتب الشيخ ورسائله.
  5. تضخيم بعض الألفاظ دون فهم سياقها العلمي والتاريخي.

وقد ظهر من خلال النماذج الكثيرة أن عددًا من العلماء الذين عادوا الدعوة في أول الأمر رجعوا عن مواقفهم بعد قراءة كتب الشيخ، بل صار بعضهم من أنصار دعوته، ودعا إلى التوحيد الذي قرره.

كما ظهر أن دعوة الشيخ لم تكن خروجًا على الأمة، ولا شذوذًا عن علماء الإسلام، بل كانت رجوعًا إلى أصل دعوة الرسل: إفراد الله بالعبادة، والتحذير من الشرك، والتمسك بالسنة، ومحاربة البدع والغلو.


أهم التوصيات

  • لا يُحكم على دعوة أو عالم من خلال كلام الخصوم وحدهم.
  • قراءة كتب الشيخ ورسائله هي الطريق العادل لمعرفة حقيقة دعوته.
  • كثير من الشبهات المعاصرة ليست جديدة، بل هي تكرار لشبهات قديمة.
  • يجب التفريق بين النقد العلمي المنصف والتشويه المتعمد.
  • الدفاع عن علماء السنة ليس تعصبًا للأشخاص، بل دفاع عن الحق الذي حملوه.
  • لا بد لطالب العلم من التدرج، وأخذ العلم عن أهله، والحذر من التصدر قبل التأهل.
  • نعمة التوحيد أعظم من كل نعمة دنيوية، وحفظها واجب على الأمة.

الخلاصة الذهبية النهائية:
دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، كما عرضتها هذه المحاضرة، ليست دعوة جديدة منفصلة عن الإسلام، بل هي إحياء لمعنى التوحيد، ورد للناس إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتنقية للدين من الشرك والبدع والغلو.

أضف تعليق